فخر الدين الرازي

95

تفسير الرازي

وجهان : الأول : المعنى أنكم إن آمنتم أخر الله موتكم إلى أجل مسمى وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال . الثاني : قال ابن عباس : المعنى يمتعكم في الدنيا بالطيبات واللذات إلى الموت . فإن قيل : أليس إنه تعالى قال : * ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) * ( الأعراف : 34 ) فكيف قال ههنا : * ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) * . قلنا : قد تكلمنا في هذه المسألة في سورة الأنعام في قوله : * ( ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ) * ( الأنعام : 2 ) ثم حكى تعالى أن الرسل لما ذكروا هذه الأشياء لأولئك الكفار قالوا : * ( إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين ) * . واعلم أن هذا الكلام مشتمل على ثلاثة أنوع من الشبه : فالشبهة الأولى : أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية ، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا الحد ، وهو أن يكون الواحد منهم رسولاً من عند الله مطلعاً على الغيب مخالطاً لزمرة الملائكة ، والباقون يكونون غافلين عن كل هذه الأحوال أيضاً كانوا يقولون : إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية الإلهية الشريفة ، وجب أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة ، وفي الحاجة إلى الأكل والشرب والحدث والوقاع ، وهذه الشبهة هي المراد من قولهم : * ( إن أنتم إلا بشر مثلنا ) * . والشبهة الثانية : التمسك بطريقة التقليد ، وهي أنهم وجدوا آباءهم وعلماءهم وكبراءهم مطبقين متفقين على عبادة الأوثان . قالوا ويبعد أن يقال : إن أولئك القدماء على كثرتهم وقوة خواطرهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين ، وأن الرجل الواحد عرف فساده ووقف على بطلانه ، والعوام ربما زادوا في هذا الباب كلاماً آخر ، وذلك أن الرجل العالم إذا بين ضعف كلام بعض المتقدمين قالوا له إن كلامك إنما يظهر صحته لو كان المتقدمون حاضرين ، أما المناظرة مع الميت فسهلة ، فهذا كلام يذكره الحمقى والرعاع وأولئك الكفار أيضاً ذكروه ، وهذه الشبهة هي المراد من قوله : * ( تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ) * . والشبهة الثالثة : أن قالوا المعجز لا يدل على الصدق أصلاً ، وإن كانوا سلموا على أن المعجز يدل على الصدق ، إلا أن الذي جاء به أولئك الرسل طعنوا فيه وزعموا أنها أمور معتادة ، وأنها ليست من باب المعجزات الخارجة عن قدرة البشر ، وإلى هذا النوع من الشبهة الإشارة بقوله : * ( فأتونا بسلطان مبين ) * فهذا تفسير هذه الآية بحسب الوسع والله أعلم .